عبد الله بن أحمد النسفي
215
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 121 إلى 122 ] وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 121 ) وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ( 122 ) لقربهم منه ، ولا يخفى عليهم خروجه وَلا يَرْغَبُوا ولا أن يضنّوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ عما يصيب نفسه ، أي لا يختاروا إبقاء أنفسهم على نفسه في الشدائد بل أمروا بأن يصحبوه في البأساء والضراء ويلقوا أنفسهم بين يديه في كلّ شدة ذلِكَ النهي عن التخلّف بِأَنَّهُمْ بسبب أنهم لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ عطش وَلا نَصَبٌ تعب وَلا مَخْمَصَةٌ مجاعة فِي سَبِيلِ اللَّهِ في الجهاد وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً ولا يدوسون مكانا من أمكنة الكفار بحوافر خيولهم وأخفاف رواحلهم وأرجلهم يَغِيظُ الْكُفَّارَ يغضبهم ويضيّق صدورهم وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا ولا يصيبون منهم إصابة بقتل أو أسر أو جرح أو كسر أو هزيمة إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ عن ابن عباس رضي اللّه عنهما : لكل روعة سبعون ألف حسنة ، يقال نال منه إذا رزأه ونقصه وهو عامّ في كلّ ما يسوؤهم ، وفيه دليل على أنّ من قصد خيرا كان سعيه فيه مشكورا من قيام وقعود ومشي وكلام وغير ذلك ، وعلى أنّ المدد يشارك الجيش في الغنيمة بعد انقضاء الحرب لأنّ وطء ديارهم مما يغيظهم ، وقد أسهم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لا بني عامر وقد قدما بعد تقضّي الحروب « 1 » . والموطئ إمّا مصدر كالمورد ، وإمّا مكان فإن كان مكانا فمعنى يغيظ الكفار يغيظهم وطؤه إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ أي أنهم محسنون واللّه لا يبطل ثوابهم . 121 - وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً في سبيل اللّه صَغِيرَةً ولو تمرة وَلا كَبِيرَةً مثل ما أنفق عثمان رضي اللّه عنه في جيش العسرة وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً أي أرضا في ذهابهم ومجيئهم ، وهو كلّ منفرج بين جبال وآكام يكون منفذا للسيل ، وهو في الأصل فاعل من ودى إذا سال ، ومنه الودي ، وقد شاع في الاستعمال بمعنى الأرض إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ من الإنفاق وقطع الوادي لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ متعلق بكتب ، أي أثبت في صحائفهم لأجل الجزاء أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي يجزيهم على كلّ واحد جزاء أحسن عمل كان لهم ، فيلحق ما دونه به توفيرا لأجرهم . 122 - وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً اللام لتأكيد النفي ، أي أنّ نفير
--> ( 1 ) في ( ظ ) و ( ز ) الحرب .